محمد بن جرير الطبري
20
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
وقد زعم بعض أهل العربية ، ( 1 ) أن معنى قوله : " إلا الذين يصلون إلى قوم " ، إلا الذين يتَّصلون في أنسابهم لقوم بينكم وبينهم ميثاق ، من قولهم : " اتّصل الرجل " ، بمعنى : انتمى وانتسب ، كما قال الأعشى في صفة امرأة انتسبت إلى قوم : إذَا اتَّصَلَتْ قَالَتْ : أَبَكْرَ بنَ وَائِلٍ ! . . . وَبَكْرٌ سَبَتْهَا وَالأنُوفُ رَوَاغِمُ ! ( 2 ) يعني بقوله : " اتصلت " ، انتسبت . * * * قال أبو جعفر : ولا وجه لهذا التأويل في هذا الموضع ، لأن الانتساب إلى قوم من أهل الموادعة أو العهد ، لو كان يوجب للمنتسبين إليهم ما لهم ، إذا لم يكن لهم من العهد والأمان ما لهم ، لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لِيقاتل قريشًا وهم أنسباءُ السابقين الأوَّلين . ولأهل الإيمان من الحق بإيمانهم ، أكثر مما لأهل العهد بعهدهم . وفي قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم مشركي قريش = بتركها الدخول فيما دخل فيه أهل الإيمان منهم ، مع قرب أنسابهم من أنساب المؤمنين منهم - الدليلُ الواضح أنّ انتساب من لا عهد له إلى ذي العهد منهم ، لم يكن موجبا له من العهد ما لذي العهد من انتسابه . فإن ظن ذو غفلة أن قتال النبيّ صلى الله عليه وسلم من قاتل من أنسباء المؤمنين من مشركي قريش ، إنما كان بعد ما نُسخ قوله : " إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق " ، فإن أهل التأويل أجمعوا على أن ناسخ ذلك " براءة " ، و " براءة " نزلت بعد فتح مكة ودخول قريش في الإسلام . ( 3 ) * * *
--> ( 1 ) هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 1 : 136 ، وفي المطبوع من مجاز القرآن تأخير وتقديم لم يمسسه بالتحرير ناشر الكتاب ، فليحرر مكانه . ( 2 ) ديوانه : 59 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 136 والناسخ والمنسوخ : 109 واللسان ( وصل ) ، وغيرهما . وفي اللسان " لبكر بن وائل " ، وفسرها " اتصلت " : انتسبت . وفسرها شارح شعر الأعشى : إذا دعت ، يعني دعت بدعوى الجاهلية ، وهو الاعتزاء . وهذا البيت آخر بيت في قصيدة الأعشى تلك . يقول : تدعى إليهم وتنتسب ، وهي من إمائهم اللواتي سبين وقد رغمت أنوفهن وأنوف رجالهن الذي كانوا يدافعون عنهن ، ثم انهزموا عنهن وتركوهن للسباء . ( 3 ) في المخطوطة والمطبوعة : " فإن أهل التأويل أجمعوا على أن ذلك نسخ قراءة نزلت بعد فتح مكة ودخول قريش في الإسلام " ، وهو خطأ لا معنى له ، وخلط فاحش . واستظهرت أن ما كتبته هو الصواب وأنه عنى " سورة براءة " ، من الناسخ والمنسوخ : 109 ، ومن تفسير أبي حيان 3 : 315 ، وتفسير القرطبي 5 : 308 ، وقد نسبوه جميعًا إلى الطبري أيضا .